هشام جعيط
110
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
على الأقدام . وقد روى الطبري « 1 » والخطيب أيضا « 2 » حادثة وقعت لعيسى بن عليّ ، ومفادها أن هذا الشخص وهو أحد أقرباء الخليفة كان مريضا ، فلم يقدر على قطع الرّحبة على طولها مشيا على الأقدام ، لكي يصل إلى القصر . وتدل هذه الحادثة بوضوح على أن حظر الركوب بالرّحبة صادر عن المنصور ، وهو انطبق على الكوفة تبعا لبغداد ، وأن الركائب كانت تحطّ بالرّحبة في السابق فيما يخص الكوفة ، على الأقل يوم الجمعة . وأخيرا ، فقد تحولت بعد ذلك الرّحبة في بغداد إلى مصلى « 3 » ، وقد تم ذلك منذ خلافة المهدي وربما قبل ذلك في الكوفة . وهكذا نلحظ تفاوتا في التطور ، لكنّنا نلحظ أيضا تماثلا عجيبا في هذا التطور ، وبذلك نكتشف كثيرا من الخاصيات للكوفة في بدايتها تظهر في بغداد في خلافة المنصور ، شكليا وعلى مستوى التصور « 4 » . من الضروري أن نتساءل الآن عن مصدر الرّحبة . هل كانت من أصل بابلي أم هلينستي ، أم ساساني ، أم روماني بيزنطي ، أم من جنوب بلاد العرب ؟ لقد رأينا أنّه تشكل قبل ظهور الإسلام ، نوع من الصورة المعممة للبنية المدنية حيث تجمعت كل التقاليد الخاصة . وهو أمر صالح أساسا للمساحة المركزية ، كما بالنسبة للعناصر المكونة لها ( القصر والمعبد ) ، ولا بد أنّ الأمر يكون كذلك بالنسبة لساحة المعبد والقصر . ومن المعلوم أنّ مثل هذه الساحة كانت ، بصورة أدق ، موجودة في المدن اليمنية ، وفي المدن الساسانية أيضا ، وقد تحدثنا سابقا عن البوميريوم pomerium وعن الساحة المركزية في المدن الرّومانية forum ، مع أن المكان الأول يطابق بالأحرى فكرة الصحن . ومن المفيد التمعن في فكرة الأغورا agora التي انتشرت كثيرا في الشرق في ذلك العصر « 5 » . فماذا نجد في دمشق ، المدينة التي تفيد المؤرخ ، لأنّها تحملت الاستمرار في التقطع ؟ نجد هنا أيضا ، في
--> ( 1 ) التاريخ ، ج 7 ، ص 652 . ( 2 ) تاريخ بغداد ، ج 1 ، ص 77 . ( 3 ) ليس الأمر بديهيا تماما في نص الطبري الذي يروي انتفاضة سنة 252 : التاريخ ، ج 9 ، ص 358 . وعلى كل فقد صارت الرحبة مرتبطة بالمسجد ارتباطا عضويا ، واستمدت اسمها منه ، وكانت واسعة جدا وشعورنا بعد قراءة متأنية أن الرّحبة استخدمت كمصلى . وقد شدد اليعقوبي تأكيده على هذه النقطة ، ولهذا الأمر اعتباره حيث ألف كتابه في الفترة ذاتها تقريبا . كتاب البلدان ، ص 240 . ( 4 ) سوف نعود إلى هذه النقطة الرئيسة ، إذ لا نوافق العليّ ولا لاسنر على رأيهما . ولنشر منذ الآن إلى نصيب أهل الكوفة في بناء الحاضرة الجديدة : أبو حنيفة الفقيه الكبير ، راجع الطبري ، ج 7 ، ص 619 ؛ وإبراهيم بن حبيش الكوفي ، المرجع نفسه ، ص 653 . ( 5 ) لنسجل فكرة لويس ممفورد عن انتشار النموذج الهلينستي حيث جرى تعميم الصبغة الهلينستية على الصعيد العالمي « كنموذج منمط للصناعة المسترسلة » : . Mumford , op . cit . , p . 269 . ولا بدّ أن الفرس قد استبطنوا هذا النموذج .